أبي الفرج الأصفهاني

484

الأغاني

فإن تك حمير غدرت وخانت فمعذرة الإله لذي رعين قتله أخوه فامتنع منه النوم ثم إن عمرا أتى حسّان أخاه وهو نائم على فراشه ، فقتله ، واستولى على ملكه . فلم يبارك فيه ، وسلَّط اللَّه عليه السهر ، وامتنع منه النوم ، فسأل الأطباء والكهّان والعيّاف ، فقال له كاهن منهم : إنه ما قتل أخاه رجل قطَّ إلا منع نومه ، فقال عمرو : هؤلاء رؤساء حمير حملوني على قتله ليرجعوا إلى بلادهم ، ولم ينظروا إليّ ولا لأخي . فجعل يقتل من أشار عليه منهم بقتله ، فقتلهم رجلا رجلا ، حتى خلص إلى ذي رعين وأيقن بالشرّ ، فقال له ذو رعين : ألم تعلم أني أعلمتك ما في قتله ، ونهيتك وبيّنت هذا ؟ قال : وفيم هو ؟ قال : في الكتاب الذي استودعتك . فدعا بالكتاب ، فلم يجده ، فقال ذو رعين : ذهب دمي على أخذي بالحزم ، فصرت كمن أشار بالخطأ ، ثم سأل الملك أن ينعم في طلبه ، ففعل ، فأتى به فقرأه ، فإذا فيه البيتان ، فلما قرأهما قال : لقد أخذت بالحزم ، قال : إني خشيت ما رأيتك صنعت بأصحابي . ذو شناتر وذو نواس قال : وتشتّت أمر حمير حين قتل أشرافها ، واختلفت عليه ، حتى وثب على عمرو لخيعة ينوف [ 1 ] ، ولم يكن من أهل بيت المملكة ، فقتله ، واستولى على ملكه ، وكان يقال له ذو شناتر [ 2 ] الحميريّ ، وكان فاسقا يعمل عمل قوم لوط ، وكان يبعث إلى أولاد الملوك فيلوط بهم ، وكانت حمير إذا ليط بالغلام لم تملَّكه ، ولم ترتفع به ، وكانت له مشربة [ 3 ] ، يكون فيها يشرف على حرسه ، فإذا أتي بالغلام أخرج رأسه إليهم وفي فيه السواك ، فيقطعون مشافر ناقة المنكوح وذنبها ، فإذا خرج صيح به : أرطب أم يباس [ 4 ] ؟ فمكث بذلك زمانا . حتى نشأ زرعة ذو نواس ، وكانت له ذؤابة ، وبها سمى ذا نواس - وهو الذي تهوّد ، وتسمى يوسف ، وهو صاحب الأخدود بنجران ، وكانوا نصارى ، فخوّفهم ، وحرق الإنجيل ، وهدّم / الكنائس ، ومن أجله غزت الحبشة اليمن ، لأنهم نصارى ، فلما غلبوا على اليمن اعترض البحر ، واقتحمه على فرس فغرق - فلما نشأ ذو نواس قيل له : كأنك وقد فعل بك كذا وكذا ، فأخذ سكَّينا لطيفا خفيفا وسمّه ، وجعل له غلافا ، فلما دعا به لخيعة جعله بين أخمصه ونعله ، وأتاه على ناقة له يقال لها : سراب ، فأناخها ، وصعد إليه ، فلما قام يجامعه كما كان يفعل انحنى زرعة ، فأخذ السكين فوجأ بها بطنه ، فقتله ، وأحتزّ رأسه ، فجعل السواك في فيه ، وأطلعه من الكوّة ، فرفع الحرس رؤوسهم ، فرأوه ، / ونزل زرعة ، فصاحوا : زرعة يا ذا نواس ، أرطب أم يباس ؟ فقال : ستعلم الأحراس ، است ذي نواس ، رطب أم يباس ؟ وجاء إلى ناقته ، فركبها ، فلما رأى الحرس اطَّلاع الرأس صعدوا إليه ، فإذا هو قد قتل . فأتوا زرعة ، فقالوا : ما ينبغي أن يملكنا غيرك بعد أن أرحتنا من هذا الفاسق ، واجتمعت حمير إليه ، ثم كان من قصّته ما ذكرناه آنفا .

--> [ 1 ] كذا في اللسان والجمهرة وهو مأخوذ من اللخع ، وهو استرخاه اللحم وينوف من نلف الشيء إذا طال وارتفع . [ 2 ] شناتر : أصابع بلغة حمير . [ 3 ] مشربة : غرفة مرتفعة . [ 4 ] يباس : يابس أو يبيس .